التربية في المجتمع الفلسطيني
د.كمال سلامه
إرتبط ظهور التربية مع ظهور الإنسان على وجه الأرض وشعوره بأنه فردا في جماعة كالأسرة أو القبيلة مما جعله في حالة تفاعل مستمر مع بيئته والتي يمكن اعتبارها بأنها مدرسته الأولى لذلك يمكن أن نعتبر أن التربية هي الحياة نفسها، ومصطلح التربية هو مصطلح محدث و في اللغة العربية يعني التنمية والتطوير (ربا- يربو: بمعنى زاد ونمى)، ويعني أيضا أصلح الشيء وعالجه ، وقومه أي اعتنى به وأصلحه وربى الوالد ولده آي رعاه واعتنى به وأحسن القيام عليه وبذلك تكون التربية تبليغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا.
ويمكن تعريف التربية حسب يوحنا هربرت (1776-1834) والذي يعتبر أن التربية هي الأخلاق، ويشير جان جاك رسو (1712-1778) في كتابه – اميل- إلى انه ليس على التلميذ أن يتعلم ولكن عليه أن يكتشف الحقائق بنفسه وهذا يعني أن التربية عملية ذاتية نابعة من طبيعة الطفل وهذا الرأي يعتبر فاصل بين عصرين، عصر التربية القديمة وشعارها المادة، وعصر التربية الحديثة وشعارها الطفل، وفي رأي جون ستيوارت ميل أن التربية هي كل ما نفعله نحن من أجل أنفسنا وكل ما يفعله الآخرون من أجلنا حين تكون الغاية تقريب أنفسنا من كمال طبيعتنا،
هناك خلافا بين علماء التربية حول تحديد معانيها إلا أن هناك بعض الاتفاق، والتربية تركز على النقاط الأساسية التالية:
• التربية تخص النوع الإنساني ،والإنسان يتكون من جسم وعقل وعاطفة ينمو في عملية مستمرة عبر مراحل العمر،بيولوجيا وذهنيا وصولا إلى حالة من النضوج الذي يليق في آدمية الإنسان والتي تميزه عن باقي الكائنات ،وهذا لا يتم إلا من خلال عملية تربوية تكون على مستوى الإنسان الحديث والعالمي، وانطلاقا من قاعدة حضارية وثقافية وأخلاقية ينتمي إليها هذا الإنسان ، فالإنسان العربي الفلسطيني لا يستطيع الوصول إلى الحداثة والعالمية وهو ما زال يخضع للاحتلال ،أو حتى وفق شروط الغير، وهذا بالتأكيد ما يخلق حالة من الصراع المستمر والمرير داخل الإنسان الفلسطيني الذي لايستطيع إلا أن يكون تعبيرا عن واقعه وظروفه وبيئته المقاومة للاحتلال ، وبتعبير آخر أن الإنسان الفلسطيني يفكر ويشعر وفق منظومة تربوية فرضت عليه كانسان تحت الاحتلال ، أو صراع بين الفلسطيني والفلسطيني الذي أصبح في حالة من المعاناة الفكرية والتربوية نتاج الجذب والإستقطاب من قبل القوى السياسية المتصارعة على الحلبة الفلسطينية .
• التربية عملية هادفة موجودة في احد الطرفين، الجيل البالغ الراشد هو الذي يوجه الجيل الناشىء ،والتربية وسيلة لتعليم النشء القيم والمعرفة والعلوم من قبل الكبار إلى الصغار وهذه مسؤولية مكتسبة ومتوارثة عبر الأجيال،وهذا يستند إلى المحتوى المعرفي الموجود لدى الكبار وبمدى تأثره بثقافة وظروف بيئية واستثنائية موجودة كواقع مفروض يؤثر حتما بمخرجات عملية التربية، والتنشئة الإجتماعية، وإذا كان الكبار في مجتمعنا الفلسطيني يدركون معنى نقل مفاهيم الصراع والإقتتال إلى الأجيال اللاحقة فما هو وضع المخرجات التربوية التي سنشهدها أو حتى أننا نشاهدها الآن .
• التربية عملية تفاعل ما بين الإنسان ومجتمعه ، والمجتمع الفلسطيني يمتلك قاعدة حضارية عربية إسلامية عريقة ساهمت في تحديد هويته الخاصة وحافظت على بقائه من خلال عملية تفاعله الايجابي داخل مجتمعه ،وتفاعله مع الآخرين عبر العصور، لذلك فالإنسان كائن اجتماعي لايستطيع العيش بمعزل عن الآخرين، وهو يؤثر فيهم كما أنه يتأثر بهم وبمواقفهم وآرائهم ،بالإضافة إلى محركات التربية ومؤثراتها التي قد تفرض على الإنسان والمجتمع لتخلق مفاهيم تربوية جديدة قد تعيق من تقدم العملية التربوية الصحيحة ،وما يترتب عليها من عادات وسلوكيات متعلمة ومكتسبة ،وفي المجتمع الفلسطيني ووفق قاعدة التأثير والتفاعل لا نستطيع أن نسقط مقدار تأثرنا بواقع الاحتلال الموجود، أو بمقدار تأثيرنا كشعب محتل ومقاوم على دولة الاحتلال ،فهناك تأثير متبادل ونسبي على مختلف الأبعاد والمجالات التربوية والسياسية ،والاقتصادية ،والاجتماعية ،وغيرها من المجالات المختلفة التي لانستطيع أن ننكر وجودها ، وهذا أنتج وضع خاص من الفكر التربوي الفلسطيني الغير مستقر والذي يعاني من حالة الصراع المستمر مع حالة فكرية تربوية صهيونية احتلالية جامدة لاتستطيع التحرر من نظرياتها التوسعية والأمنية والاستعمارية ، لذلك نلاحظ أن كلا الشعبين حريص على التعبئة التربوية للحفاظ على قاعدته التربوية،دون ملاحظة مقدار عملية التفاعل الناتجة بين الطرفين .
ومن جهة أخرى فعملية التفاعل المستمرة بين الإنسان الفلسطيني وبيئته الإجتماعية في السنوات الأخيرة الفاقدة للأمن الشخصي والإجتماعي، وسوء الأوضاع الأقتصادية، وغياب الحلول السياسية، وإنتشار ثقافة العدوان الداخلي ستنتج حتما ثقافة دخيلة وتربية سوداء انانية متعصبة بعيدة عن التسامح والرغبة في البناء والإبداع الفردي والوطني، تدخلنا في أنفاق الجهل والتعصب الأعمى، وتصرفنا عن الأهداف المجتمعية والوطنية، لحساب الأهداف الفردية والفئوية.
• التربية عملية تهدف إلى ايصال الشيء إلى كمال نموه،الفلسفات التربوية القديمة اعتبرت أنها إعداد للحياة من خلال تزويد الإنسان بالمعرفة اللازمة التي تساعده على مواجهة الحياة، وفي الفلسفات التربوية الحديثة اعتبرت التربية أنها الحياة نفسها، وفي كلا المفهومين هدفت التربية إلى الرقي بالإنسان، وإذا تحدثنا عن مفهوم التربية في المجتمعات العربية وتحديدا في المجتمع الفلسطيني نجد أن هناك قصور في تحقيق كلا من المفهومين السابقين، ويعود ذلك إلى غياب الرؤية التربوية القادرة على تحقيق أهدافها لأسباب عديدة أهمها:
- عدم وجود قاعدة فلسفية تربوية تناسب واقع الشعب الفلسطيني الحالي الخاضع للاحتلال وتكون منطلقاتها القاعدة الحضارية الإسلامية المستنيرة،
- مازالت التربية الفلسطينية هي مزيجا من تربية المقهورين في مواجهة الاحتلال والذي يسعى إلى التحرر، مع حالة من التماهي في ثقافة الإحتلال الغازي، والتي نسقطها بأيدينا على أنفسنا، وهذا ما نشاهده منذ زمن ليس ببعيد من خلال الإقتتال الداخلي.
- بالإضافة إلى مزيج من نظريات تربوية لا تتناسب وطموحات هذا الشعب.
• التربية عملية تنطلق من قاعدة ضرورة تحقيق التلاؤم بين عضوية حية ذات شروط خاصة، وبين ظروف خارجية تحيط بها، والتلاؤم هنا ضروري للبقاء ولا يتم إلا بتدخل المربي والأسرة، والمجتمع، والمؤسسات التربوية الرسمية والغير رسمية.
• التربية عملية شاملة لها معنى واسع يشمل المدرسة و الأسرة والمجتمع ،تبدأ التربية في الأسرة ، لذلك نجد أن الطفل هو حالة تعبير حقيقي عن والديه وأسرته ،وتعتبر هذه المرحلة هامة في حياة الطفل القابل للتعلم لأصول التربية من عادات وتقاليد وقيم ،بالإضافة إلى مراقبة عمليات النمو المستمرة انفعاليا وعقليا وجسميا مع ملاحظة أن أساسيات التنشئة الصالحة تبدأ من الأسرة .
المدرسة تمثل المجتمع المصغر ،وإحدى مجالات التربية المتخصصة في المجال التعليمي،ويقع على عاتقها مسؤولية خلق الأجيال المبدعة القادرة على مواجهة الحياة والمساهمة في تقدمها بما يخدم الأهداف التربوية العامة والخاصة .
المجتمع ،لكل مجتمع فلسفته العامة والتي يستمد منها فلسفته التربوية التي تحدد فلسفته التعليمية إلى جانب فلسفته في الجوانب الأخرى ،ولا بد أن تكون منطلقات الرؤية الفلسفية العامة تستند إلى المنظومة القيمة والحضارية لهذا المجتمع ،بالإضافة إلى الرؤية المستقبلية التي تخدم أهداف المجتمع الواقعية .
الفرق بين التربية والتعليم
هناك خلط بين مفهوم التربية وبين مفهوم التعليم ،فالتربية مفهوم أعم وهي عملية عامة ، والتعليم عملية أضيق تقع داخل نطاق التربية ،والتربية تتجه إلى العادات والسلوك والقيم الأخلاقية والمعلومات والتفكير ومظاهر الشخصية ،والتي لها علاقة بالمنظومة العامة للمجتمع ، في المقابل نرى أن التعليم كجزء من التربية يتجه إلى المعرفة والتفكير دون أي مظهر آخر من مظاهر تربية الطفل بمعناها الشامل ويشير ويليام جيمس إلى أن التربية هي تنظيم القوى البشرية التي عند الطفل تنظيما يضمن له حسن التصرف والتكيف في عالمه الاجتماعي والمادي، أما التعليم فمحدود بالمعرفة التي يقدمها المدرس فيحصلها التلاميذ دون عناء، ويشبرالغزالي إلى أن التعلم للطفل أشبه باللوح الأبيض الخالي من النقش، نخط عليه ما نشاء من تعليم وتربية صالحة او فاسدة.
لذلك علينا عدم المبالغة في الحديث عن الفروق بين التربية والتعليم لان نقاط الاتصال والتداخل بينهما إضافة إلى أننا ننظر إلى التربية من خلال واقعها وأهدافها العامة في مقابل إلى أن التعليم ينظر اليه في واقعه الحاضر وهدفه القريب وشروطه الخاصة، مع التأكيد على أسبقية التربية على التعليم والتركيز على انسجام التربية في الأسرة مع التربية(التعليم) في المدرسة والتربية التي يقدمها المجتمع من خلال مؤسساته.
والسؤال الذي يحتاج لوقفة جادة، إلى أين نتجه بالشعب الفلسطيني بهذا الفكر التربوي المشوش، الذي يهدد مستقبل ألأبناء وبالتالي يهدد مستقبل القضية برمتها؟
جميع الحقوق محفوظة لدنيا الرأي © 2003 - 2010

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق